السيد كمال الحيدري
10
معرفة الله
الاتّزان هو نوع كمال مطلوب بنفسه إلّا أنّه لا يملأ مساحة هدفية وجود الإنسان ، فالهدف هو أن يتحقّق الإنسان في سيره المعرفيّ بأعلى مراتب الكمال التي تُضيّق دائرة إمكانه لتفتح أمامه آفاقاً جديدة تغطّي سعته الوجودية في سقفها الجديد اللايقفي ، وهذا تعبيرٌ آخر عن القرب الإلهيّ الذي لا يعني الوقوف عند مرتبة بعينها ، فكلّ تحقّق كماليّ جديد هو قُرب جديد من الكمال المطلق ، والعكس بالعكس تماماً . فليس البُعد والقرب زمانيّين أو مكانيّين بمعناهما العُرفيّ ، وليسا « 1 » لو قطعنا النظر عن الزمكان قرباً وبُعداً وجوديّين بمعنى اقتراب أو ابتعاد وجود الإنسان عن وجود الله تعالى ، فهذا توهّم محض ، بل هو خطأ فاحش في فهم حقيقة التوحيد ، وإنّما هما القُرب والبُعد الكماليّان . فكلّما كان الموجود الإمكاني متحقّقاً بأكبر قدر ممكن له من الكمالات ، فهو الأقرب إلى الكمال المطلق . فإذا ما عُبّر عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بأنّه أقرب الخلق إلى الله تعالى فذلك تعبير آخر عن أشدّية كمالاته الشريفة ورُقيّه المعرفيّ . جديرٌ بالذكر أنّ هذا الكتاب لا يتكفّل بإيصال القارئ إلى تلك المراتب أو بعضها ، فذلك لم يقع هدفاً للكتاب . هذا فضلًا عن كون هذا الأمر مرتبطاً بما ينطوي عليه الشخص من رُقيّ فكريّ وصفاء قلبيّ وخُلوص في النيّة ، ناهيك عن كون ما نحن فيه هو مقام إثباتيّ لا ثبوتيّ ، ومن الواضح أنّ حيّز الوصول والتحقّق بشقّه الثاني هو الثبوت لا الإثبات . نعم ، يحاول الكتاب أن يفتح أمامنا نوافذ عديدة يطلّ من خلالها على طلائع وبوادر السير المعرفيّ في شقّيه الذهني والقلبي .
--> ( 1 ) كما نعتقد .